عين القضاة
رسالة 37
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
وكقوله « 4 » لموسى - صلى اللّه عليه - مرضت فلم تعدنى ، وجعت فلم تطعمنى ؛ حتى اضطرب موسى وقام وقعد وقال : إلهي أو تمرض وتجوع ؟ فقال : مرض عبدي فلان وجاع عبدي فلان ولو أطعمت هذا وعدت ذاك لوجدتنى عندهما . وهذا مطابق لما أوحاه إلى داود - عليه السلام - حيث قال : يا رب أين أطلبك ؟ فقال : عند المنكسرة قلوبهم لأجلى . وهذا كقوله - تعالى - في الكتاب المنزل على نبينا محمد - صلّى اللّه عليه - : « إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ » « 1 » وإنّ اللّه مع الصادقين والصابرين و « إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ » « 2 » وهذه ألفاظ مجملة وقع بسببها خلق كثير في الضلال وألحد بها قوم وقالوا : لو كانت النبوة حقا لما وصف رسول اللّه - صلى اللّه عليه - صانع العالم بأوصاف تدلّ على الجسميّة فلأنّ الجسميّة تدلّ على الحدث « 3 » وهؤلاء إنّما اتوا من قبل علومهم وخفّة بضاعتهم في علوم العربية كما قيل « 4 » : وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته ، من الفهم السقيم [ شرائط التأويل ] وإلى هؤلاء يشير القرآن حيث يقول : « بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ » « 5 » وعليهم ينبّه حيث يقول : « وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ » « 6 » . والعلماء الراسخون في علمهم لا يخفى عليهم تأويل هذه الألفاظ بل هي أظهر من الشمس عندهم وأكثر الخلق تاهوا فيها وتحيّروا في معانيها : لا يكشف الغمّاء الّا ابن حرّة * يرى غمرات الموت ثمّ يزورها ولو كان الوصول إلى معرفة تأويل هذه الألفاظ المجملة سهلا لما خصّ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وآله - خبر الأمة عبد اللّه بن عباس في دعائه بقوله : اللّهم
--> ( 1 ) سورة 16 ( النحل ) آية 128 م . ( 2 ) سورة 29 ( الروم ) آية 69 ك . ( 3 ) الحدث : الحادث . ( 4 ) ( 1 - 10 ) وكقوله . . . قيل M - B . ( 5 ) سورة 10 ( يونس ) آية 39 ك . ( 6 ) سورة 46 ( الأحقاف ) آية 11 ك .